القرطبي
251
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تسألك كذا وكذا . فقال : " ما عندنا اليوم شئ " . قال : فتقول لك اكسني قميصك ، فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت عريانا . وفى رواية جابر : فأذن بلال للصلاة وانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج ، واشتغلت القلوب ، فدخل بعضهم فإذا هو عار ، فنزلت هذه الآية . وكل هذا في إنفاق الخير . وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام ، كما تقدم . الثالثة - نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد ( 1 ) فيما يطرأ أولا من سؤال المؤمنين ، لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شئ له ، أو لئلا يضيع المنفق عياله . ونحوه من كلام الحكمة : ما رأيت قط سرفا إلا ومعه حق مضيع . وهذه من آيات فقه الحال فلا يبين حكمها إلا باعتبار شخص شخص من الناس . الرابعة - قوله تعالى : ( فتقعد ملوما محسورا ) قال ابن عرفة : يقول لا تسرف ولا تتلف مالك فتبقى محسورا منقطعا عن النفقة والتصرف ، كما يكون البعير الحسير ، وهو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به ، ومنه قوله تعالى : " ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ( 2 ) " أي كليل منقطع . وقال قتادة : أي نادما على ما سلف منك ، فجعله من الحسرة ، وفيه بعد ، لان الفاعل من الحسرة حسر وحسران ولا يقال محسور . والملوم : الذي يلام على إتلاف ماله ، أو يلومه من لا يعطيه . قوله تعالى : إن ( 3 ) ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ( 30 )
--> ( 1 ) الوجد ( مثلثة الواو ) : اليسار والسعة . ( 2 ) راجع ج 18 ص 209 . ( 3 ) هذا الآية لم يتكلم عليها المؤلف ولم تذكر في النسخ التي بين أيدينا ولعله تكلم عليها وحصل سقط من النساخ . وعبارة ابن جرير الطبري في كلامه على الآية كما وردت في تفسيره : " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إن ربك يا محمد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده فيوسع عليه . ويقدر على من يشاء . ، ويقول : ويقتر على من يشاء منهم فيضيق عليه : " إنه كان بعباده خبيرا " يقول : إن ربك ذو خبرة بعباده ، ومن الذي تصلحه السعة في الرزق وتفسده ، ومن الذي يصلحه الاقتار والضيق ويهلكه . " بصيرا " يقول هو ذو بصر بتدبيرهم وسياستهم . ويقول : فإنه يا محمد إلى أمرنا فيما أمرناك ونهيناك من بسط يدك فيما تبسطها فيه وفيمن تبسطها له ، ومن كفها عمن تكفها عنه وتكفيها فيه ، فنحن أعلم بصالح العباد منك ومن جميع الخلق وأبصر بتدبيرهم " .